رحلة المنبر الأخيرة: الشيخ حسن بشير رحمه الله

سبتمبر 1st, 2007 كتبها ماجد هادي نشر في , رحلة المنبر الأخيرة: الشيخ حسن بشير رحمه الله

الجامع بدأ في للاكتظاظ..
من ساعة الجمعة المبكرة..
هالة الحزن واضحة على الجميع..

فـ (المصاب) لم يعد في أهله او قبيلته فحسب!!.. الجميع قد أصابته طعنة الفراق.. والم الفقد.. طمعوا ان يتذكروا منبره.. والقلب لا يحتمل كثيرا .. والدموع تنتظر الإذن في المُـقل.. لا تحتاج سوى (قشّة) التذكير.
بقينا ننتظرساعة الصفر.. (ستهتز) المنبر وسيبكي هول الفاجعة وعظمة الحدث .. هكذا حدثناانفسنا.

ننتظر (من) الذي سينزل الدموع من المقل.. وننتظر تلك (القشّة).
الجميع يدقـّـق في المنبر.. نتخيّل الفقيد وهو يصعد درجاته.. حلقاتهائلة من الألم والذكريات والمواعظ.. آهات حقيقية تتلوى في صدورنا.. نتذكر كيف كان يغوص في همومنا مطوعاً هذا المنبر لمعالجتها ونشر معاناتها.. والدموع تنتظر الأذن بالجريان..

أزيز قراءة القرآن .. خلق جوا من السكينة والخشوع.. هذا ينتصف سورةالكهف.. وذاك اكملها..

اتخذت مكاني في الصف الأول.. قريبا من المنبر.. انظر للحلف.. الصفوف طويلة.. والجميع يترقب الخطيب الذي سيحل مكانه.. كيف سيعتلى منبره الذي اعتدنا فيه صرخة الحق وقضاء (الحاجة) التي في صدورنا.. صوت الضمير.. صرخة اوجاع المجتمع..

تتحشرج الكلمات في صدورنا.. نريد ان نبكي.. نريد من ياذن لدموعنا بالجريان..
فوهج الحزن لا يزال يعتلج بالصدور.. ونحن في ذكراه الاخير.. امام منبره الذي كسب قلوبنا من بابه..
نريد أي (سبب) وأي موعظة ولو حتى (كلمة) تجعلنا نبكي.. نريد (أي شيء)!!
بعض الحزن لا يحتمله القلب.. لا يقوى عليه الجسد.. فيفيض من نافذة العيون .. كأنما تريد أن تقول له : أعرف معنى كيف أن يحزن القلب .. ويدوّي به الصدر!

الآن .. نعم.. الآن..

الصفوف بدأتتنفرج، الاعناق تتميال، بوصول خطيبنا.. يهمّ بصعود درجات المنبر.. التفت َ ورءاه .. كان المسجد قد امتلأ.. ازدحمت الصفوف.. لتصد تيار الهواء البارد الذي نشعر به.. وقطرات العرق تتصبب .. مؤكدةً أنه الصيف..

- " السلام عليكم ورحمة اللهوبركاته"

رفع مؤذننا الأذان.. يصدح به عاليا.. فتذكرنا معه (فقيد المنبر).. كثيرا ما اعقب هذا الأذان خطبه التي تشفي.. وشريط الذكريات يعود بسرعة.. ضاقت الصدور بالحزن اكثر.. وبدأت العيون تحتقن.. ونحن ننتظر تلك (القشّة)..

الخطبة الأولى بدأت.. تحفزنا .. تأهبنا .. وزاد التحديق بالخطيب الجديد..

- (رحمك الله يا فقيد المنبر، عن ماذا نتحدث؟! وعن ماذا نرثيه؟… )
وبدأ يسترسل في شمائله في نوادره ، يذكرنا بالموت بالصبر بالايمان بالقضاء والقدر..
وتسترسل معها دموعنا، كلما استرسل في نوادره ..

لا اله الا الله ..

لا نريد منك ايها (الخطيب) الا القشة فقط ، العيون لا تحتمل اكثر، والصدور على انفاسها.. لا نريد هذا الحمل على قلوبنا اكثر، حتى العامة من الامّيين لم يسلموا من الحشرجة والدموع المسترسلة مع استرساله.. لا نريد اكثر من هذا.. رفقا بنا،،

وعمق الحزن يزداد ..

المزيد